محمد بن زكريا الرازي
132
الحاوي في الطب
أن يعرف هل يموت المريض أم لا بمعرفة منتهى المرض ؛ وذلك أنه إذا كان مريضان متساويين في الأمر إلا في وقت المنتهى فقد يمكن أن يسلم أحدهما ويموت الآخر . والذي يسلم يكون أقربهما منتهى وبالضد ؛ لأن القوة يمكن أن تخور من الثاني قبل المنتهى . مثال : لنضع أن مريضا لا يجوز أن ينتهي مرضه قبل العشرين ، وآخر ينتهي مرضه في الثالث عشر . وقوتهما متساوية ، فإن البحران يأتيهما في الرابع عشر . أقول : إن الذي مرضه قد انتهى يتم له البحران ويصح ، والذي لم ينته مرضه يمكن أن يأتيه البحران السوء ؛ وإن أتاه بحران غير كامل لم تقو الطبيعة على ما بقي بعد ذلك من المرض إلى وقت المنتهى ، لكن تخور قبل ذلك فيموت . قال : فليس بمكن أحد أن يعلم حال المريض هل يسلم أو يموت ، دون أن يقف على منتهى المرض وقوة المريض وطبيعة المرض في الشدة وغير ذلك ، كما أنه لا يقدر أحد أن يعلم من أمر حمال عليه حمل : هل يقوى أن يبلغ به الموضع الذي يريده دون معرفته قوة الحمال وقوة الحمل ومسافة الطريق ، وذلك أن قوة الحمال بمنزلة قوة المريض ، وثقل الحمل بمنزلة صعوبة المرض ، ومسافة الطريق بمنزلة ما بين ابتداء المرض ونهايته ؛ والأمر يضطر أن لا يعنى بشيء أكثر من العناية بمنتهى المرض وذلك أن البحران الجيد وغيره والناقص وغيره وأمر الغذاء وأمر الموت والنجاة متعلق به . إذا كان المرض سليما - وهو أن تكون القوة وافية به إلى وقت المنتهى ، ثم كان مع ذلك ساكنا لا يزعج ولا يقلق الطبيعة ولم يعرض خطأ من خارج ، فإن البحران لا يكون إلا بعد الانتهاء ؛ وهذا أحمد البحارين ؛ وذلك أنه يكون بعد النضج الكامل . وإن اضطربت الطبيعة إلى أن يأتي البحران قبل الانتهاء إما لقوة المرض أو لفضل حدته وسرعة حركته أو لشيء يهيجه ، فإنه ينقص عن البحران الجيد بحسب تقدمه بوقت المنتهى ؛ فإن كانت القوة لا تبقى إلى وقت المنتهى فواجب أن يموت المريض إلا أن موته ليس يجب أن يكون بقرب المنتهى ، لأنه قد يمكن أن يموت قبله بكثير أو يموت في أول المرض . وأما البحران فلا يكون إلا في وقت المنتهى أو قبله بقليل . لي : لم يقل : بعده ، لأن تلك الحال حالة الراحة بالإضافة إلى ما مضى ، والبحران إنما يكون في الوقت الصعب . قال : فأما الموت فإنه يكون في الأزمنة الثلاثة : في الابتداء والتزيد والنهاية . قال : متى خرج مريض من مرضه دفعة فلا بدّ أن يكون خروجه باستفراغ ظاهر بيّن أو خراج محمود عظيم ، ولا بدّ أن تتقدم هذه العلامات المهولة التي تتقدم البحران التي قد ذكرناها ؛ وكذلك إذا عرض خروج إلى الموت ضربة فلا بدّ أن يكون الاضطراب الشديد والجهد والاستفراغ .